عجلة الاقتصاد التركي.. السرعة والتحديات؟ (مقابلة)
تمتاز تركيا بأهمية جيوسياسية فريدة نتيجة موقعها الجغرافي كحلقة وصلٍ بين أوروبا وآسيا وبين الشرق والغرب.
هذا الموقع سمح لتركيا أن تحصل على عضوية العديد من أبرز المنظمات والكيانات الفاعلة والمؤثرة حول العالم، وأبرزها العضوية في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، وعضوية مجموعة العشرين التي تضم الاقتصاديات الأقوى في العالم، وعضوية مجلس التعاون الإسلامي على المستوى العربي والإسلامي، ومنظمات اقتصادية أخرى، كما بدأت منذ عام 2005 مفاوضاتٍ للانضمام إلى الاتحاد الأوروبيّ.
خلال جائحة “كورونا” عرفت اقتصادات العالم انتكاساتٍ غير مسبوقة وركوداً في حركة التجارة العالمية، تزامناً مع تغيّر نمط الحياة التي طغى عليها الحجر وحظر التجوّل، ما انعكس انهياراتٍ في القطاعات بشكل عام، بما فيها قطاع الخدمات والسياحة.
ولأن تركيا لاعبٌ قويٌّ جديد في عالم الصناعات التكنولوجية والدفاعية، إلى جانب ما تتميّز به بالفعل من صناعات، كان طبيعياً أن تتأثّر بالخضّات العالمية وموجة الركود التي ولّدتها جائحة “كورونا”.
ورغم كل تداعيات “كورونا” القاسية، ورغم محاولات بعد الدول التضييق على الاقتصاد التركي، نجح الاقتصاد التركي في تسجيل نموٍّ قويّ بلغ 7% في الربع الأول من العام الجاري.
أما النصف الثاني من العام 2021 فقد جاء وجلب معه المفاجآت الاقتصادية التركية، فها هي وكالة “رويترز” تنشر تقريراً في 25 آب/أغسطس 2021 يتحدث عن توقعات خبراء اقتصاديين بنمو الاقتصاد التركي 21.7% في الربع الثاني من العام 2021، ما سيرفع النمو للعام بكامله إلى 7.95%.
وفي حديثٍ مع “وكالة أنباء تركيا” حول واقع وتحديات والتوقعات لمستقبل الاقتصاد التركيّ، قال المستشار خالد شبيب أستاذ القانون في المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، إن “الاقتصاد التركي اقتصادٌ مركّب يعتمد على عدة قطاعات اقتصادية متكاملة ومترابطة فيما بينها لتمثّل الاقتصاد التركيّ بشكله النهائي”.
وتابع “لمعرفة أهمية ودور كل قطاع وأثره على الاقتصاد يجب معرفة مقدار ونسبة مساهمة وتأثير كلّ قطاع على إجماليّ الناتج القوميّ وميزان المدفوعات”.
وأضاف شبيب “لذلك سنتطرق إلى أهم القطاعات الاقتصادية التي تؤثر بشكلٍ مباشر على الاقتصاد التركي وبالتالي تؤثر على قيمة الليرة التركية مع بقاء المؤثرات الأخرى ثابتة ومنها المؤثرات السياسية”.
ووضّح شبيب القطاعات الاقتصادية التركية على النحو التالي:
“أولاً، القطاع الصناعيّ الذي يعتبر من أهمّ وأنجح القطاعات في تركيا نظراً لتأثيره في ميزان المدفوعات والدخل القوميّ، حيث تعتبر صناعة السيارات من أهمّ الصناعات التركية إذ بلغت قيمة الصادرات من السيارات 25.5 مليار دولار لعام 2020، وبلغت صادرات تركيا لهذا العام حتى حزيران/يونيو الماضي 19.77 مليار دولار وهو أعلى رقم شهري تحققه تركيا حتى الآن.. ويتميز القطاع الصناعي بتنوّعه حيث تشمل المعدّات والأجهزة ووسائل النقل وتضمّ منتجاتٍ صناعية أخرى مثل المواد الكيميائية والملابس.
ثانياً، القطاع الاستثماريّ الخدميّ والعقاريّ، حيث بلغ الاستثمار الأجنبيّ المباشر في تركيا من كانون الثاني/يناير وحتى تشرين الثاني/نوفمبر 2020 نحو 4 مليارات و642 مليون دولار، ويعتبر الاستثمار العقاريّ في تركيا أحد الاستثمارات المهمّة التي يعتمد عليها الاقتصاد التركي، حيث تبلغ نسبة قطاع العقارات 20% من الناتج المحليّ للبلد وهذا سبّب اهتمام الحكومة التركية بقطاع العقارات وتقديم مجموعةٍ من التسهيلات لتشجيع الاستثمار العقاريّ.
ثالثاً، القطاع الزراعي، حيث تشير المؤشرات الاقتصادية التركية إلى أن القطاع الزراعيّ أصبح يحتلّ المركز السابع عالمياً على المستوى الإنتاجي.. كما أن تركيا تهدف بحلول عام 2023 أن تكون من بين أكبر خمس بلدان من حيث إنتاجها الزراعيّ على مستوى العالم، بالوصول إلى قيمة الناتج الزراعيّ المحلّي إلى 150 مليار دولار ومضاعفة الصادرات الزراعية إلى 40 ملياردولار.
رابعاً، القطاع السياحيّ، وتمثل عائدات السياحة في تركيا ما بين 4% إلى 5% من إجماليّ الناتج القوميّ. وتتنوّع السياحة لتشمل السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية بالإضافة إلى السياحة التعليمية حيث يوجد في تركيا أكثر من 150 ألف طالبٍ أجنبيّ يدرسون في الجامعات التركية”.
وبناءً على المعطيات السابقة وتحليل البيانات، وضع شبيب جملةً من المقترحات والتوصيات:
“1- استمرار زيادة نسبة الواردات التي تمثّل الطاقةُ جزءاً كبيراً منها وغالباً تدفع قيمتها بالدولار، على حجم الصادرات، هو سبب وجود العجز التجاريّ والذي يؤثر بشكلٍ كبيرٍ على الميزانية ويشكل تحدّياً كبيراً للاقتصاد التركيّ، لذلك ينبغي أن تسعى السياسة الاقتصادية التركية إلى تغيير هيكل الناتج المحليّ الإجمالي.. لذلك فإن البدء باستخراج الطاقة وتقليل استيرادها من الخارج سيؤدي إلى تحسين ميزان المدفوعات الذي بدوره سوف يحسّن من قيمة الليرة التركية.
2- تركيا بحاجة إلى التحفيز الانتقائيّ للاستثمارات الأجنبية في قطاع الشركات التكنولوجية والسيبرانية والذكاء الصناعيّ وغيرها من المجالات الحديثة التي من المهمّ العملُ على توظيفها في مجتمع الأعمال التركيّ، ونقل خبرتها إلى تركيا التي ستمثل بيئة لوجستية أساسية للاستثمار الأجنبيّ في المستقبل القريب.
3- السعي المخطَّط لتحقيق التنمية الاقتصادية يجب أن يشمل جميع القطاعات الاقتصادية الصناعة والزراعة والخدمات من خلال بناء هياكل إنتاجية قادرة على النمو والتطوّر المستدام.
4- البحث عن مصادر الطاقة البديلة والرخيصة، حيث تستورد تركيا ما يقارب 75% من احتياجاتها من الطاقة، وهذا يوثر بشكلٍ سلبيّ على الاقتصاد التركيّ من خلال تأثيره على ميزان المدفوعات والرصيد الاحتياطيّ من العملات الأجنبية، والذي يؤثّر على أسعار صرف العملة.. لذلك ينبغي على السياسة الاقتصادية العمل على ترشيد استهلاك الطاقة والبحث عن مصادر بديلة وتشجيع الاستثمارات المحلية في مجال الطاقة البديلة، والبحث عن موارد اقتصادية محلية تخفّف من الكميات المستوردة، والعمل على زيادة الاحتياطيّ من النقد الأجنبي.
5- النهوض بالاقتصاد الزراعيّ المتطوّر والاهتمام به بشكلٍ أكبر، والاستفادة من وسائل الزراعة والإنتاج الحديثة، واستثمار المساحات الشاسعة في تركيا، وتسهيل وتيسير الحصول على القروض الزراعية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد لاستثمار أكبر قدر من الأراضي الشاسعة في تركيا.
6- تبنّي مشروع إصلاحٍ اقتصاديّ نشِط وتشريعاتٍ اقتصادية بعيدة عن الروتين”.
وهنا لفت شبيب إلى أن “تركيا مثلها مثل أيّ بلد تحتاج إلى تشريعاتٍ قانونية وسياسة اقتصادية فعّالة ومرِنة وسريعة في الاستجابة مع المؤثرات الخارجية، تقوم بدراسة الوضع الاقتصادي الداخليّ وربطه بالوضع الاقتصاديّ العالميّ، والاستفادة من نقاط القوة التي يتمتّع بها الاقتصاد التركيّ، ومعالجة نقاط الضعف والاختلالات، والخروج بحزمة إصلاحاتٍ تشريعية واقتصادية يتمّ تنفيذها وتقييمها للوصول إلى الأهداف المرجوّة منها”.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قد أعلن في 24 آب/أغسطس 2021 أن الدخل القوميّ لتركيا سيتجاوز تريليون دولار خلال فترة قريبة، مؤكدا أن احتياطيّ البنك المركزيّ التركي في الوقت الحاليّ بحدود 109 مليارات دولار وسيتجاوز 115 ملياراً قريباً.
وفي كلمة ألقاها خلال ترؤسه اجتماع رؤساء فروع حزب العدالة والتنمية بالولايات التركية، قال أردوغان “نستمر في طريقنا من خلال تحصين قوتنا السياسية بقوتنا العسكرية والاقتصادية، وبنفوذنا المتزايد باستمرار في منطقتنا”.
وتابع إن عائدات تركيا خلال العام الماضي من قطاع الصادرات، تجاوزت 170 مليار دولار، وأن هذه القيمة ستتجاوز خلال العام الحالي، عتبة 200 مليار دولار.
ولفت إلى أن أعمال إنتاج السيارة المحلية تسير وفق المخطط، وأنها ستكون على الطرقات عام 2023.
وأكد أن تركيا باتت واحدة من الدول القليلة الرائدة في إنتاج وتصدير المعدات الدفاعية وفي مقدمتها الطائرات المُسيّرة.
وذكر أن عدد المشاريع التي تملكها تركيا في مجال الصناعات الدفاعية زاد من 62 فقط عام 2002 إلى أكثر من 750 مشروعاً مع حلول العام 2021.
وتابع “بلغت ميزانية مشاريع صناعاتنا الدفاعية 75 مليار دولار، بعد أن كانت 5.5 مليارات دولار عام 2002، أصبحت تركيا واحدة من رواد المُصنّعين والمُصدّرين بمجال الصناعات الدفاعية في العالم”.
وأضاف “نقلنا بلادنا من المرتبة 17 إلى المرتبة 11 على المستوى العالميّ من حيث القوة الشرائية، وبهذا وصلنا إلى مستويات تتناسب مع أهدافنا المنشودة على الصعيد الاقتصادي”.
واستطرد أنه “خلال فترة تولّينا الحكم وفّرنا فرص عمل لنحو 9 ملايين شخص، ومن خلال تطوير قطاعات الخدمات والإنتاج والتصدير والصناعة، سنوفر المزيد مستقبلاً”.
كما ذكّر أردوغان بأن تركيا اكتشفت مؤخراً كميات كبيرة من الغاز الطبيعي في البحر الأسود، وصل مقدارها إلى 540 مليار متر مكعب.
وكان الاقتصاد التركي البالغ قيمته 270 مليار دولار قد نما بنسبة 1.8% العام الماضي رغم هبوطٍ بلغ 10.3% في الربع الثاني، ليصبح بذلك حجز مكانه بين عددٍ قليل من الاقتصادات حول العالم التي تفادت انكماشاً طارئاً نتيجة تداعيات كوفيد-19.
ومن جهةٍ أخرى، بات مؤكداً أننا نشهد لحظةً تركية، حيث تتواصل العديد من الدول والجهات مع أنقرة سعياً لإصلاح الخلافات والتوصل إلى حلول لمشاكل مُلحّة تلقي بظلالها الثقيلة على الواقع الدوليّ، الأمر الذي أكد أن تركيا مركز ثقل دوليّ ضامن لحلّ النزاعات ونزع فتيل الأزمات انطلاقاً من موقعها الجيوسياسي.
