الكاتب أ. عمر العبسو
توطئة:
لا تخفى على أحد صورة المرأة في الأدب عامة وفي الشعر خاصة , فالمرأة ملهمة الشعراء وزينة القصائد , والتاريخ الأدبي خير شاهد على ذلك , فبنظرة عاجلة على الشعر العربي في العصر الجاهلي لا تخطئ العين صورة المرأة البارزة والجلية في أشعار الجاهليين , ويكفي أن ما من معلقة من المعلقات العشر , وهي أجود عشر قصائد في الشعر الجاهلي – خلت من الاستهلال بالحديث عن المرأة والوقوف على أطلالها المندرسة والبكاء على فراقها , حتى بعض القصائد التي لم تستهل بها سرعان ما تستدرك ذلك وتعود للحديث عن المرأة.
المرأة في الشعر الإسلامي القديم:
وجاء الإسلام ولم يتخل الشعراء الإسلاميون عن هذا المبدأ , فترى المقدمات الطللية والغزلية عند شعراء صدر الإسلام الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم أمثال حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم وكعب بن مالك وغيرهما ,
وتذكر السيرة قصة إسلام الشاعر كعب بن زهير بن أبي سلمى الذي علم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدر دمه بسبب هجائه اللاذع للإسلام والمسلمين ,ولما جاء ليعلن إسلامه أمام النبي صلى الله عليه وسلم قال قصيدته الشهيرة التي استهلها بقوله :
بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول متيم إثرها لم يفد مكبول
واستطرد في الحديث عن سعاد هذه إلى أن وصل إلى الاعتذار للنبي صلى الله عليه وسلم عما قاله في حق الإسلام والمسلمين فقال :
نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
ولقد أتيت رسول الله معتذرا والعذر عند رسول الله مقبول
وهل كانت سعاد هذه شخصية حقيقية أم كانت وغيرها من الأسماء التي كانت تتداول بين الشعراء في ذلك الوقت رموزا متعارفا عليها بينهم؟! لم تجزم كتب الأدب قديما بشيء من ذلك !!
وحينما انتهى كعب من قصيدته لم يثبت في الروايات نهي الرسول صلى الله عليه وسلم له عن هذا الشعر , بل إنه قبل اعتذاره . وتقول الروايات : إنه صلى الله عليه وسلم خلع بردة كان يلبسها وألبسها كعبا, تعبيرا عن سعادته وإعجابه بالقصيدة! ودخل كعب بن زهير في دين الله عز وجل.
ثم تطورت أغراض الشعر بعد ذلك , ولم تعد المرأة يستهل بها القصائد فحسب بل صارت تحتل قصائد كاملة , وظهر شعراء لم يكتبوا شعرا إلا عن المرأة , بل ربما لم يكتبوا شعرا إلا في امرأة واحدة حتى صار شعرهم مقصورا عليها وحدها . وحتى يميز مؤرخو الأدب هذا اللون الجديد أطلقوا عليه الغزل العذري, وعلى شعرائه الشعراء العذريين , وتميز هذا اللون من الشعر بتناول المرأة تناولا معنويا , لا تناولا حسيا.
ولسنا هنا بصدد بحث هذه القضية من زاوية فقهية , فقد فرق الفقهاء بين الشعر الفاحش والشعر العفيف , فحرموا الأول واشترطوا في الثاني أن لا يكون في امرأة معينة حفظا للأعراض وصيانة الحقوق.
تناول الشعر العربي المعاصر للمرأة:
مع تنامي الصحوة الإسلامية في عصرنا الحديث وازدهارها بعد فترة الرقود والركود التي أصابت أمتنا الإسلامية في كافة نواحيها الحياتية ظهر الأدباء الإسلاميون الذين يتخذون الإسلام وتعاليمه منهجا في إبداعهم سواء كان إبداعا نثرياً أم شعرياً.
والذي يعنينا: ما هي صورة المرأة في شعرنا الإسلامي المعاصر ؟ وهل أخرج الشعراء الإسلاميون المرأة من أدبهم, وبالتالي من شعرهم ؟ أم تغيرت صورة المرأة في شعرهم عما هي عليه في الشعر عامة وفي تاريخنا الشعري خاصة؟!!
إن المتتبع للإبداع الشعري الإسلامي يلاحظ أن الشعر الإسلامي المعاصر لم يتخل عن المرأة , وإن كان قد تخلى عن أشكال معينة من التناول الشعري للمرأة , والذي اشتهر في الإبداع الشعري عامة , فانمحت إلى حد كبير الصورة الانهزامية أمام المرأة , واختفى تماما الشعر المرتمي في أحضان المرأة المفتون بها ,أو الهائم في سحرها , المرتجي عطفها ورضاها , واختفت المرأة المعشوقة التي تسيطر على الشاعر, وتسلبه عقله وتشغل تفكيره وتستحوذ على اهتماماته, وتكون محط إبداعه . سواء أكانت نظرته لها نظرة حسية , أم نظرة خيالية عاطفية , على ما هو مشهور في الإبداع الشعري على مر العصور .
وهذا النوع من النساء غير موجود تماما في الإبداع الشعري الإسلامي المعاصر ويكاد أن يكون التزاما وجدانيا غير معلن في أوساط الشعراء الإسلاميين, ولا أبالغ إذا قلت : إن هذا الالتزام لم يعرفه – إلى حد كبير – التاريخ الشعري في عصوره المختلفة قبل ذلك , بل يعلن بعض الشعراء الإسلاميين رفض هذا اللون صراحة , فهناك ما يستحوذ على مشاعرهم ويشغل عواطفهم عن الهوى والغرام , يقول عبد الرحمن العشماوي :
عودي فقد أغلقت بابي وسئمت شوقي ، واضطرابي
وسئمت نجواكن أغرق في الخيال بلا ركـــــاب
ما أنت غصن هل رأت عينــاك غصنـاً من تـراب
أيضيع شعري في الهوى وأنا عصاميّ الخطــــــاب
قالت : أتعتزل النسيب ولم تـزل غض الإهــــاب
وقلوب أهل الشعر لا تقوى على حمل الصعـــاب
والمجد والعليــاء لا يتعارضــان مع التصابــي
فأجبتها : لا تعجبـي ما فرصتي إلا شبابــــــي
ما الشعـر إلا عدتي أجلو به طرق الصـــــواب
هذا سلاحي أخـدم الإسلام أنشد ، لا أحابـي(1)
ويقول هاشم الرفاعي :
أقسمت لا حبا شكوت ولا هوى يدمي الفؤاد ويرسل الآهات
كلا , فلست من الذين شقاؤهـم وهناؤهـم بمشيئة لفتاة(2)
والمتتبع للشعر الإسلامي المعاصر يلاحظ ظهور لون جديد خاص بالمرأة لم يكن معروفا من قبل وهو : مخاطبة عقل المرأة وقلبها وفكرها , ودعوتها إلى طريق الهداية والالتزام, ولعل الذي ساعد على ظهور هذا اللون هو تخلي المرأة المسلمة المعاصرة عن التزامها الإسلامي في ملبسها ومظهرها , وبالتالي في تفكيرها , ومثل هذا الأمر لم يكن معروفا من قبل ذلك في التاريخ الإسلامي , كما تظهر بجلاء صورة المرأة الملتزمة في أشعار الإسلاميين .
يقول د. يوسف القرضاوي في قصيدة بعنوان : إليك يا ابنة الإسلام :
يا درة حفظت بالأمس غالِيِةٍ واليوم يبغونها للهو واللعـبِ
يا حرة قد أرادوا جعلها أَمَةً غريبة العقل لكن اسمها عربـي
عهد السجود لفكر الغرب قد ذهبت أيامه فاسجدي لله واقتربـــي
فلتحذري من دعاة لا ضمير لهم من كل مستغرب في فكره خرِبِ
ولا تبالي بما يقولون من شبه وعندك العقل إن تدعيه يستجـبِ
صوني جمالك صون العرض لا تهني وصابري واصبري لله واحتسبي
إن الحياء من الإيمـان فاتخذي منه حليك يا أختاه واحتجبــي
تذكري الوردة البيضاء يانعـــة يفوح منها الشذا يُشتمُّ عن كثـبِ
حتى إذا ابتذلت ماتت نضارتـها وألقيت كالقذى, ما فيه من رغـبِ (3)
وليس هذا تزمتا من الشعر الإسلامي تجاه المرأة أو قدحا فيها , ولكنه في حقيقة الأمر احترام لها ,وتقدير لأنوثتها , فالأدبيات المعاصرة شعرا كانَت أو نثرا , دأبت على استغلال أنوثة المرأة وعاطفتها لنيل أغراض دنيئة , و نظرت للمرأة نظرة حسية شهوانية ,وامتدحت جسدها ووصفت مفاتنها وخاطبت غريزتها , فما الضير أن ينظر لها الإسلاميون نظرة إيمانية معنوية؟! وإن كان يحق لنا أن نعيب أحد الفريقين أو نلومه فأيهما أولى باللوم؟!!.
ولم ينس الشعر الإسلامي المرأة المستضعفة المضطهدة , والمرأة المجاهدة في كل زمان ومكان يضطهد فيه المسلمون .
يقول د. العشماوي على لسان امرأة مسلمة من بلاد البوسنة والهرسك:
أطرقـت حتـى ملـنـي الإطراق وبكيت حتى احمـرت الأحداقُ
أنا قصة صـاغ الأنيـن حروفهـا ولها مـن الألـم الدفيـن سياقُ
أنا أيها الأحباب مسلمة لهـا قلب إلـى شـرع الـهـدى تواقُ
دفن الشيوعيون نبع كرامتـي دهرا, وطالت حولي الأطبـاقُ
أخذوا صغيري وهو يرفع صوته أمي,وفي نظراته إشفـاقُ
ويجرني وغد إلى سردابـه قسراً وتظلم حولي الآفــاقُ
ويئن في صدري العفاف ويشتكي طهري وتغمض جفنها الأخلاقُ (4)
ويقول هاشم الرفاعي على لسان أم تخاطب طفلها وهو في مهده بعد أن أعدم أبوه ظلما :
ستمر أعوام طوال في الأنـيـن وفي العـــــــــــذاب ْ
وأراك يا ولدي قوي الخطـــو موفــــور الشبـــــابْ
تأوي إلى أم محطمــــــــة مُغَضـَّنَةِ الإهـــــــابْ
وهناك تسألني كثيراً عن أبيــــك وكيف غــــــــــابْ
هذا ســــــؤال يا صغيري قــــد أعد له الجـــوابْ (5)
هذا , ولم يخل الشعر الإسلامي من أشكال من التعبير مشهورة في الخطاب الشعري خاصة بالمرأة, كاستلهام المرأة رمزا وإيحاء يبث إليه الشاعر همومه وأحزانه , أو استلهامها رمزا يحزن من أجله : يقول عبد الرحمن العشماوي: في مطلع قصيدة بعنوان من القدس إلى سراييفو :
أذبلتني لأجلك الأحـزان وبكى قبل مقلتي الوجـدانُ
سهم عينيك لـم يصبني ولكن سلبتني إرادتي الأجفـانُ
لا تغيبي عني فإنـي لأخشى أن يجف الندى ويشقى الجَنـانُ
آه لو تسمعين ما قـال حزني وبماذا تحدث الطوفـان
لا تقولي: من أنت؟ إني محب أشعلت في فؤاده النيـران (6)
بعد هذه المقدمة الشبيهة بالمقدمة الغزلية في القصيدة العربية ينتقل الشاعر إلى الحديث عن جراح الأمة وهمومها الثقال , فيبكي على الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة من مشرقها إلى مغربها , فواضح من القصيدة أن الشاعر استخدم المرأة رمزا للأمة الإسلامية التي تغص في أحزانها وهمومها . ومثال ذلك قوله في مطلع قصيدة بعنوان: عندما تشرق الشمس:
أخبارك اليوم يا حسناء أخباري جرح يشاركني في نظم أشعاري
أتى الربيع فلم أشعر بمقدمـــه لا الطل طلي ولا الأزهار أزهاري
تقول: أطفئ لظى حزني , فقلت لها: هل تطفأ النار يا حسناء بالنار؟!(7)
والحسناء التي يقصدها الشاعر هي الأمة الإسلامية التي يتمنى أن يراها حسناء دائما عندما تشرق عليها شمس الإسلام من جديد . قمة البراعة في التناول والعرض الذي يحرك المشاعر ويحفز الوجدان , ويدفعها إلى الجدة والحركة دون إسفاف أو سقوط .
وبرع الشعر الإسلامي المعاصر في تناول المرأة : الأم , والمرأة : الزوجة , والمرأة:الابنة , التي يبث إليها الشاعر شوقه وهمومه وعواطفه : يقول محمود مفلح :
أماه يا لفظا على شفتــي أغلى من الدنيا وما فيــها
أماه والأشواق جامحـــة كم ذا أكابدها .. أعانيــها
أماه والدنيا جــلاوزة والناس قد فحّت أفاعيـــــها
من أين لي صوت وحنجرة والناعقون تزاحموا فيـــها
أماه لكني على ظمـــــأ وجوانحي لا بد أرويــــــها
مادامت الآيات تغمرنـــــي وأنا بكل العمر أشريـــــها
وأرى هناك الحلم مــئـذنـة وأرى طيور العشق تفديــها
لابد من يــوم أؤوب به وعصاي في بيتي سألقيـها (8)
ويقول د. عبد الرحمن صالح العشماوي :
أماه .. ياسر ألحاني ومصدرها ونبع قلبي إذا ما صرت ظمآنا
يا نبضة في فؤاد الشعر ما عرفت غدرا ، ولا عرفت للفضل نكرانا
يا خاطرا في خيال الحب مؤتلقا يندى شموخا ، وتحنانا ، وعرفانا(9)
ويقول أيضا في قصيدة بعنوان: ( رحلة العمر ) يهديها إلى: أم أسامة رفيقة العمر.. (زوجته)
من معانيك أستقي ألحاني فاهتفي يا مذيبة الأحزان
افرشي هذه الطريق وفاء فطريقي مفروشة بالحنان
ظللي عشنا الجديد بروح الـــ حب حتى نعيش في اطمئنان
رحلة العمر يارفيقة عمــري زادُها الحب والرضا والتفاني(10)
وهكذا لم يتخل الشعر الإسلامي المعاصر عن المرأة , وإن كان قد جدد في أساليب التناول والخطاب الشعري تجاهها , وتخلى تماما عن النظرة المسفة التي عرّت المرأة من أي قيمة أخلاقية , تلك التي روج لها شعراء أساؤوا الأدب مع المرأة قبل أن يسيئوا إلى دينهم وأخلاق مجتمعهم , ونظر لها الشعر الإسلامي المعاصر نظرة تقدير وإجلال كفرد فاعل ومشارك في تكوين مجتمع نظيف , وليس كلوحة معروضة للتلذذ بها والتشهي بصورتها .
الهوامش :
1- يوان إلى أمتى. عبد الرحمن صالح العشماوي (34 وما بعدها) مكتبة العبيكان, الرياض.
2- ديوان هاشم الرفاعي, الأعمال الكاملة (155) تحقيق عبد الرحيم جامع الرفاعي, مكتبة الإيمان بالمنصورة, مصر.
3- ديوان المسلمون قادمون, د/ يوسف القرضاوي (39 وما بعدها) دارالوفاء بالمنصورة , مصر.
4- ديوانمن القدي إلى سراييفو, د/عبد الرحمن العشماوي (21 وما بعدها) دار الصحوة , مصر.
5- من قصيدة بعنوان : أغنية أم , ديوان هاشم الرفاعي (198 وما بعدها).
6- ديوان من القدس إلى سراييفو ( 5 وما بعدها ).
7- ديوان عندما تشرق الشمس لعبد الرحمن صالح العشماوي ( 55 ) دار الصحوة , مصر.
8- ديوان إنها الصحوة لمحمود مفلح ( 64 وما بعدها ) دار الوفاء بالمنصورة , مصر.
9- ديوان إلى حواء , د/ عبد الرحمن صالح العشماوي(10) مكتبة العبيكان بالرياض , ط 2, 2002م.
10- ديوان إلى حواء(22)