*الدكتور جهاد الاتاسي*
*هذه رؤيتي*
*رؤية وتوصيات لمستقبل سوريا*
*سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية* لتحويل مسارها من حالة الصراع إلى نموذج سياسي مستقر يضمن الأمن والازدهار لمواطنيها ويحقق الاستقرار للمنطقة بأكملها. إن الفشل في هذه المهمة سيؤدي إلى استمرار الفوضى، وتصاعد التدخلات الأجنبية، والحروب بالوكالة، وعودة الجماعات المسلحة أو المتطرفة الخارجية.
لتحقيق انتقال ناجح، لا بد من بناء نظام وطني جديد يستند إلى سبع ركائز أساسية:
*1. توحيد الهوية الوطنية* مع *مفهوم المواطنة*: لا يمكن لسوريا أن تستقر دون إعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس المواطنة المتساوية بعيدًا عن الطائفية والانقسامات العرقية.
*2. معالجة آثار الصراع وإعادة دمج اللاجئين:* يجب وضع خطة واضحة لعودة اللاجئين وإعادة تأهيلهم، مع توفير بيئة آمنة ومستقرة تضمن اندماجهم في المجتمع من جديد.
*3. تحقيق التوازن الجغرافي والاستقرار الوطني:* يجب أن تستند أي تسوية سياسية إلى موازنة عادلة بين مختلف المناطق السورية لضمان عدم تكرار أخطاء المركزية المفرطة أو الانقسامات المناطقية.
*4. تحفيز الإنتاج والتوظيف:* لا يمكن تحقيق الاستقرار دون معالجة القضايا الاقتصادية الملحّة، مثل البطالة وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية.
*5. ضمان الحرية والعدالة ضمن إطار دستوري:* يجب أن يكون الدستور الجديد ضامنًا للحقوق الأساسية لجميع السوريين، مع وضع آليات واضحة للفصل بين السلطات.
*6. إعادة بناء المؤسسات:* لا يمكن لأي نظام سياسي أن ينجح دون مؤسسات قوية وفعالة، مستقلة عن الولاءات الطائفية أو الشخصية.
*7. تعزيز العلاقات الدولية:* لا بد من سياسة خارجية متوازنة تضمن علاقات إيجابية مع جميع الأطراف الفاعلة إقليميًا ودوليًا، مع الحفاظ على استقلال القرار السوري.
*المصالحة الوطنية*
الاستقرار لا يتحقق بالقوة، بل ببناء توافق مجتمعي واسع. لذلك، لا بد من تشكيل هيئة وطنية للمصالحة تشمل جميع المكونات، بما في ذلك العلويين، لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي. المطلوب ليس استبدال استبداد الأقلية بهيمنة الأغلبية، بل تأسيس دولة قائمة على المواطنة المتساوية.
*إعادة التأهيل وإعادة التوطين*
يجب إنشاء هيئة مستقلة تُعنى بإعادة التأهيل والتوطين، مع التركيز على استعادة الحياة الطبيعية في سوريا. الأولوية الفورية هي تأمين المحور الأساسي للبلاد (حلب – حماة – حمص – دمشق – درعا) بالإضافة إلى المناطق الساحلية وشرقي الفرات.
*التعافي الاقتصادي*
المرحلة الأولى من إعادة الإعمار يجب أن تركز على:
• مكافحة الفقر واستعادة الأصول المنهوبة.
• رفع القيود الاقتصادية وتشجيع الاستثمار.
• تأسيس صندوق دعم دولي لإعادة بناء البنية التحتية.
• إحياء القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة، الصناعة، والطاقة.
سوريا تمتلك موقعًا استراتيجيًا يربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا عبر تركيا، مما يمنحها ميزة تنافسية كبرى في مجال النقل والخدمات اللوجستية. الاستثمار في تحديث البنية التحتية يمكن أن يحوّل البلاد إلى مركز تجاري رئيسي.
*بناء نظام سياسي مستدام*
أحد أكبر الأخطاء التي ارتُكبت في الماضي كان التضحية بالحريات من أجل “أمن الدولة”، ما أدى إلى اندلاع الصراع وتفكك الدولة. على الحكومة الجديدة أن تتبنى نموذجًا يستوعب التنوع السوري في إطار نظام ديمقراطي واضح المعالم.
يجب وضع جدول زمني واضح للانتخابات خلال السنوات الأربع المقبلة، مع التركيز على استعادة النظام العام، إعادة تفعيل النظام القضائي، وتعزيز المصالحة الوطنية. أي تأخير في تحقيق الاستقرار سيؤدي إلى مزيد من الفوضى ويفتح المجال أمام ظهور أنظمة استبدادية جديدة.
*لتنفيذ ذلك، لا بد من*:
• *إعادة هيكلة الفصائل* وتحويلها إلى مؤسسات أمنية رسمية منها الجيش الوطني.
• *تفعيل الإدارة المدنية للحكومة المركزية*، ومنح الإدارات المحلية صلاحيات تشغيلية.
*• ضمان محاكمات عادلة* للمتورطين في الجرائم دون انتقام أو عقاب جماعي.
*العلاقات الدولية*
على سوريا أن تعيد تفعيل علاقاتها مع الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وتشجيع الدول على إعادة فتح سفاراتها. يجب أن يكون هناك موقف واضح من القضايا الإقليمية، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل، بما يضمن الحقوق السورية دون الدخول في صراعات لا تخدم المصالح الوطنية.
كما أن على القوى الإقليمية أن تحترم وحدة سوريا وتبتعد عن إنشاء مناطق نفوذ على أسس طائفية أو عرقية. ومن الضروري عقد قمة “جيران سوريا” لتنسيق الجهود الإقليمية في دعم استقرار البلاد.
*دور القوى الدولية*
• *إيران*: عليها أن تدرك أن استمرار الفوضى ليس في مصلحتها، بل إن استقرار سوريا يخدم مصالحها الإقليمية.
• *روسيا*: عليها الانخراط بشكل إيجابي مع الإدارة الجديدة، بدلاً من التمسك بمواقفها السابقة.
• *الدول الغربية*: يجب أن تتجاوز منظور “أمن إسرائيل” في سياساتها تجاه سوريا، وتدعم عملية الانتقال السياسي بشكل أكثر فاعلية.
• *تركيا*: عليها تبنّي نهج استراتيجي واضح، يضمن حماية مصالحها دون التدخل في الشؤون الداخلية السورية، ويحول دون استغلال الأزمة السورية من قبل أطراف أخرى.
*الخلاصة*
*نجاح المرحلة القادمة يعتمد على قدرة القيادة الجديدة على البقاء قريبة من الشعب، وتجنب العزلة السياسية، وتوسيع قاعدة التوافق الوطني. سوريا ليست ساحة صراع بين القوى الدولية، بل هي وطن لأبنائها، ومن الضروري أن يكون الحل بقيادة سورية، بعيدًا عن الحسابات الخارجية الضيقة.*
*دكتور جهاد الأتاسي*
18 فبراير 2025